غزة بين الماضي والحاضر والمستقبل

د. شريف نورالدين بتاريخ: ١٧ / ١١ ٢٠٢٣ م.

غزة بين الماضي والحاضر والمستقبل

في سبتمبر 1993 وقعت منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية اتفاق أوسلو الذي تضمن اعترافا متبادلا بين الطرفين والبدء بمسار تفاوضي نحو حل دائم للقضية الفلسطينية على أساس القرار 242 الذي اعتمده الفلسطينيون في مطلبهم إقامة دولة فلسطينية في حدود العام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة). نص إعلان المبادئ والاتفاقيات اللاحقة على إقامة سلطة حكم ذاتي فلسطينية (السلطة الوطنية الفلسطينية) لمرحلة انتقالية تمتد لخمس سنوات يتم فيها الاتفاق على الحل الدائم، وحددت هذه الافاقيات صلاحيات سلطة الحكم الذاتي وعلاقتها بسلطة الاحتلال الإسرائيلية. مع فشل مفاوضات الحال الدائم في عام 2000 (كامب ديفد) و2001 (شرم الشيخ)، استمرت المرحلة الانتقالية في ما يتعلق بالحكم الذاتي الإداري الفلسطيني مع بقاء الوضع الراهن في ما يتعلق بالقضايا المتروكة «لمفاوضات الحل الدائم».

*الاستيطان:
– جمد بناء المستوطنات لفترة وجيزة بعد توقيع الاتفاق، إلا أنه عاد ليتواصل بوتيرة عالية لاحقا، حيث تضاعف عدد المستوطنين الإسرائيليين وتمددت المستوطنات على مساحات واسعة من أراضي الضفة.

فشل “حل الدولتين” بسبب تعمق الاحتلال والاستيطان والأطماع والمطالب الأمنية الإسرائيلية، بات يفرض نفسه بشكل قوي على طاولة سجال النخب والباحثين الإسرائيليين في البحث عن حلول للصراع تعتبر بالنسبة لهم ممكنة طالما أنها تراعي المعايير الإسرائيلية، ولا تأخذ المطالب والموقف الفلسطيني على محمل من الجدية. وأهم مُخرج لهذا السجال الذي بات يحظى بشبه إجماع، أن التوصل إلى اتفاقية تنهي الصراع لم يعد ممكنًا في الظروف الحالية، علاوة على أنه من الصعوبة بمكان تخيل حكومة إسرائيلية قادرة على تفكيك المستوطنات القريبة من المدن الفلسطينية.

وفقاً لتقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، بعد احتلال إسرائيل قطاع غزة في 1967، شجَّعت السلطات الإسرائيلية الهجرة القسرية للفلسطينيين بإجبار المسافرين من غزة على ترك بطاقات الهوية وتوقيع وثائق تفيد بأنهم مغادرون بمحض إرادتهم وأن عودتهم مشروطة بالحصول على تصريح من السلطة العسكرية.

ونتيجة لهذه السياسة، أُلغي اعتراف إسرائيل بوجود نحو 140 ألف فلسطيني، بما في ذلك 42 ألفاً من سكان غزة، بحجة تجاوزهم فترة الإقامة المسموح بها في الخارج. ولا يزال الكثير منهم عالقين في الخارج دون وثائق تُثبت هويتهم.

وما زال الكثير من الفلسطينيين الذين يعيشون في الخارج يعانون ضعف الوثائق التي تُثبت هويتهم، وترفض إسرائيل منحهم حق لمّ الشمل، الذي عُلِّق منذ عام 2000.

في عام 1968 نفسه، ناقشت لجنة في الكونغرس الأمريكي خطةً لتهجيرٍ طوعيٍّ لنقل 200 ألف فلسطيني من غزة إلى دول أخرى مثل ألمانيا الغربية والأرجنتين وباراغواي ونيوزلندا والبرازيل وأستراليا وكندا والولايات المتحدة. ولكنَّ هذه الخطة فشلت بسبب رفض كثير من الدول استضافة الفلسطينيين على أراضيها.

على الرغم من أن هذا المشروع حظي ببعض الانتشار في ذلك الوقت، إلى جانب سياسة “الجسور المفتوحة” للفلسطينيين مع مصر والأردن التي دعا إليها وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، موشيه ديان، إلا أن الموضوع اقتصر على سفر الفلسطينيين إلى مصر للدراسة والعودة مرة أخرى، أو الذهاب إلى دول الخليج للعمل.

يستند المشروع إلى افتراض أن حل القضية الفلسطينية ليس مسؤولية إسرائيل وحدها، بل هو مسؤولية تشترك فيها 22 دولة عربية.

وفقاً للمشروع، ستقدم مصر تنازلاً عن 720 كيلومتراً مربعاً من أراضي سيناء لصالح الدولة الفلسطينية المقترحة. تتألف هذه الأراضي من مستطيل يبلغ طول ضلعه الأول 24 كيلومتراً، يمتد على طول الساحل من مدينة رفح إلى حدود مدينة العريش في سيناء، والضلع الثاني طوله 30 كيلومتراً من غرب معبر كرم أبو سالم ويمتد جنوباً بالتوازي مع الحدود المصرية الإسرائيلية.

تكون المنطقة المقترحة مساحتها مضاعفة لمساحة قطاع غزة، وتعادل 360 كيلومتراً مربعاً، وتمثل 12% من مساحة الضفة الغربية. في المقابل، يتنازل الفلسطينيون عن نفس المساحة المقترحة في سيناء من مساحة الضفة الغربية وتضمينها السيادة الإسرائيلية.

على جانب آخر، ستحصل مصر على تبادل للأراضي مع إسرائيل في جنوب غرب النقب (منطقة وادي فيران) بنفس المساحة، مع منحها امتيازات اقتصادية وأمنية ودعماً دولياً. وعلى الرغم من التركيز الإسرائيلي على هذا المشروع، فإن توقيت صدوره كان سبباً في فشله، حيث جاء بعد تعثر مفاوضات كامب ديفيد بين ياسر عرفات وإيهود باراك، وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى، وإغلاق صفحة المفاوضات الثنائية لعدة سنوات.

تتضمن الفكرة تخصيص أراضٍ في سيناء للدولة الفلسطينية، وتحديداً منطقة العريش الساحلية، مع إنشاء ميناء بحري عميق وخط سكك حديد دولي بعيد عن إسرائيل، ومدينة كبيرة تحتضن السكان، وبنية تحتية قوية، ومحطة لتوليد الكهرباء، ومشروع لتحلية المياه.

بموجب المشروع، ستحصل مصر على أراضٍ في صحراء النقب جنوب إسرائيل بنفس المساحة التي ستمنحها للفلسطينيين في سيناء، وتبلغ نحو 700 كيلومتر مربع، مع توفير ضمانات أمنية وسياسية لإسرائيل بعدم وجود بناء للمستوطنات في المنطقة الحدودية مع مصر، والسماح لمصر بإنشاء شبكة طرق سريعة وسكك حديدية وأنابيب لنقل النفط والغاز الطبيعي.

وعلى الرغم من أن المشروع اعتمد بشكل كبير على أفكار مشروع أيلاند السابق، فإن تزامن إعلانه مع انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، وفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، وسيطرتها على غزة، وفرض الحصار الإسرائيلي عليها، جعل من الصعب تحقيق نجاح المشروع.

لم يختلف مشروع صفقة القرن كثيراً عن المشاريع السابقة للتسوية، حيث تضمن نفس المحاور، بما في ذلك تنازل مصر عن أراضٍ في سيناء لإقامة مطارات ومصانع ومراكز تجارية ومشاريع زراعية وصناعية تسهم في توفير فرص عمل لمئات آلاف الأشخاص، وتأسيس دولة فلسطينية في تلك المنطقة مع شرط أن تتخلص من السلاح.

لقد حظيت صفقة القرن بتأييد كبير وتجمع دولي، وكانت الخطة على وشك التنفيذ بعد التوافق الذي جرى التوصل إليه بين ترمب ومصر والسعودية وإسرائيل بشأن تفاصيل كثيرة. ومع ذلك، بعد خسارة ترمب في انتخابات الرئاسة لفترة ثانية، فشل الأمريكان في تنفيذ الصفقة. وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية الديمقراطية تدعو الآن إلى مبادرات مشابهة، فإن ذلك لا يزال يعكس روح صفقة القرن، حتى وإن لم تحمل نفس الاسم.

وقد نتج عن الحصار الطويل والخانق تعطل جميع المصانع وزيادة نسبة البطالة لتتجاوز ال 80% لتصبح أعلى نسبة بطالة في العالم، إضافة لنقص حاد في الأدوية والمواد الطبية كافة، ووفاة نحو 400 مريض خلال 9 أشهر فقط لعدم تمكنهم من السفر للعلاج في الدول الأخرى أو لنقص المعدات والادوية اللازمة لعلاجهم، كما أن حركة البناء تعطلت تماما، مما زاد ازمة اصحاب البيوت التي دمرت في الحرب على غزة والتي يزيد عددها على 4100 بيتا وشقة سكنية.

لو كانت حرب غزة الدائرة الآن مثل كل الحروب السابقة، لكان من المحتمل أن نشهد حاليا وقفاً لإطلاق النار، وأن يستطيع أقارب القتلى دفنهم، ولكانت إسرائيل تتجادل الآن مع الأمم المتحدة حول كمية الأسمنت التي يمكن إدخالها إلى القطاع من أجل إعادة الإعمار.

لكن هذه الحرب ليست كذلك. ولا يرجع السبب في كونها مختلفة فقط إلى كبر وحجم العملية غير المسبوقة التي نفذتها حركة حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وما أعقبها من “انتقام جبار” تمارسه إسرائيل، كما وصفه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، والذي أدى إلى مقتل الآلاف من المدنيين الفلسطينيين.

تختلف هذه الحرب عن الحروب الأخرى لأنها تأتي في وقت تتداعى فيه خطوط الصدع التي تقسم الشرق الأوسط. فعلى مدى عقدين من الزمن على الأقل، كان الصدع الأكثر خطورة في المشهد الجيوسياسي الممزق في المنطقة هو بين أصدقاء وحلفاء إيران، وأصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة.

ويتألف جوهر محور إيران، الذي يسمى أحيانا “محور المقاومة”، من حزب الله في لبنان، ونظام الأسد في سوريا، والحوثيين في اليمن، وميليشيات عراقية متنوعة تسلحها وتدربها إيران. كما يدعم الإيرانيون حركتي حماس والجهاد الإسلامي في غزة.
إيران أيضا قريبة من روسيا والصين، فقد أصبحت مؤخرا جزءا مهما من المجهود الحربي الروسي في أوكرانيا. وأيضا تشتري الصين كميات كبيرة من النفط الإيراني.

وفي المحور الأمريكي هناك إسرائيل ودول الخليج النفطية والأردن ومصر. وتواصل الولايات المتحدة تقديم دعم قوي لإسرائيل، على الرغم من أنه من الواضح أن الرئيس الأمريكي جو بايدن، غير مرتاح للطريقة التي تقتل بها إسرائيل هذا العدد الكبير من المدنيين الفلسطينيين. وقد قال وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، علنا إن أعداد القتلى من المدنيين الفلسطينيين كبيرة جدا.

وقد أدان حلفاء الولايات المتحدة العرب جميعاً ما تفعله إسرائيل، ودعوا إلى وقف إطلاق النار. كما يستدعي مشهد مئات الآلاف من الفلسطينيين وهم يفرون من منازلهم في شمال غزة ويسيرون على الطريق الرئيسي جنوبا، شبح انتصار إسرائيل على العرب في حرب الاستقلال عام 1948، والتي فرّ فيها أكثر من 700 ألف فلسطيني أو أجبرتهم إسرائيل على ترك منازلهم تحت تهديد السلاح، فيما يعرف بـ “النكبة” التي أسفرت عن نزوح أغلب فلسطينيي 1948 إلى قطاع غزة.

وإن الحديث الخطير الذي يطلقه بعض القوميين اليهود المتطرفين الداعمين لحكومة بنيامين نتنياهو عن فرض “نكبة” أخرى على الفلسطينيين، يثير قلق الدول العربية في المعسكر الأمريكي، وخاصة الأردن ومصر.

أما بالنسبة للحرب نفسها في غزة، فقد قال دبلوماسيون غربيون رفيعون من الدول الحليفة لإسرائيل لبي بي سي إن إنهاء الحرب والتعامل مع تداعياتها سيكون “صعبا وفوضويا”.

وقال أحدهم إن “السبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو إعادة بناء أفق سياسي للفلسطينيين”، وتلك إشارة إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل، أو ما يسمى بحل الدولتين، وهي فكرة فاشلة يرددها الجميع كشعار.

ولا يقتصر أمر معارضة نتنياهو بأنه ضد استقلال الفلسطينيين، بل إن استمراره كرئيس للوزراء يعتمد على دعم المتطرفين اليهود الذين يعتقدون أن كامل الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط هبة من الله للشعب اليهودي ويجب أن تكون جميعها داخل حدود إسرائيل.

لكن الآن، يرغب العديد من الإسرائيليين في رحيله، ويلومونه على الإخفاقات الأمنية والاستخباراتية التي سمحت بوقوع هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

كما أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس في أواخر الثمانينيات من عمره، وقد فقد مصداقيته في أعين الناخب الفلسطيني، رغم أنه لم يخض أي انتخابات أو عملية اقتراع بالصناديق منذ 2005.

إضافة إلى أن السلطة الفلسطينية تتعاون مع إسرائيل في مجال الأمن في الضفة الغربية ولكنها غير قادرة على حماية شعبها من المستوطنين اليهود المسلحين.

القيادات تتغير في نهاية المطاف، وإذا لم تجبر هذه الحرب الطاحنة في غزة الإسرائيليين والفلسطينيين وأصدقاءهم على محاولة وضع حد لهذه “الحرب” المذبحة، فإن المستقبل الوحيد هو المزيد من الحرب.

*الموقف الإسرائيلي تجاه القطاع:
– السياسات:
– رفض “حل الدولتين” والسعي لإفشاله، وتبني معادلة الانفصال عن القطاع، وتعزيز مشروع الاستيطان.

ولكن في ظل الانقسام الداخلي المتعاظم يوما بعد يوم لدى الجانب الاسرائيلي ضد حكومة نتنياهو وجنون عظمته، ومع الانقسام الغربي فيما بينهم وفي الداخل الاميركي أيضا، ومع قوة التكنولوجيا والسوشيال ميديا على الرأي العام العالمي في نقل الحدث بشكل مباشر والصراع الدائر بين الحقيقة والتزييف أدى الى تعاظم قوة الشباب لصالح القضية الفلسطينية، ومع مرحلة النبذ العام لليهودية كمرحلة اولى وصولا لكراهيتهم وربما في المستقبل لفتح ابواب الصراع معهم على مصراعيه وبشتى الاتجاهات والنواحي، وهذا ما نشهده من خلال حركة الاحتجاجات والتظاهرات على مستوى العالم والأتي أعظم في حال تعنت الاسرائيلي وعدم الانصياع للراي العام في العالم ولارادة الشعوب والعودة الى مفاهيم وقوانين والتشريعات الاممية والدولية التي لا طالما غطت حروبه بالمطلق ولكن الزمن تغير وهذا ما لا تفقمه الحكومات والمؤسسات والدول وعلى راسهم اميركا واسرائيل، ولا نغفل عن الدور الوسي الصيني الايراني المتعاظم عالميا في ظل تحالفهما وقوة البريكس ومنظمة شنغهاي وحرب روسيا اوكرانيا وخطر التنين الداهم على اميركا، وعند هذه الاعتبارات بدأت المعايير والموازيين والازدواجية العالمية تنهار امام تعدد القوى والساحات والاقطاب…

ان المرحلة القادمة مع بدأ المفاوضات حول الاسرى هي بداية حل لهذه “الحرب” المجزرة للوصول الى تسويات تنتهي وهذا ما تسعى اليه كافة أطراف الصراع واللاعبون والمؤثرون فيه(الايراني،العربي، الفلسطيني، الاميركي والاوروبي الروسي الصيني ).

ولا شك أن وجود حاملات الطائرات الاميركية غايتها منع توسع الصراع والحد منه وخلق اطمئنان لدى المجتمع الاسرائلي بعد عملية الطوفان ودعم لاسرائيل بشكل عام، وباعتقادي أيضا ردع لجنون نتنياهو وحكومته وفي النهاية هذا ما سيؤدي بالاطاحة به وبحكومته وربما أيضا الى قفص الاتهام بتهمة الخيانة والفشل.

و في ظل الدعوات الدولية التي تحضر ضده ولدولة اسرائيل من قبل ٣٠٠ محامي عالمي في المحاكم الدولية قريبا بدعم رأي عام عالمي ولأول مرة بتاريخ دولة اسرائيل، مما سيجعل الثمن كبيرا جدا جدا عليها وعلى وضع احتضان العالم لليهود وقضيتهم “الهولوكوست” هذا تأكيد أكبر على أن الزمن تغير وسيكون العالم القادم مع هولوكوست جديدة لعصر جديد موثقة في الصوت والصورة وفي ذاكرة الشعوب، كاتبها ومخرجها ومنتجها اسرائيل على ارض غزة…

Exit mobile version