الرئيسية » باقلامكم » “وطنُ النجوم” على عَرَبَة!

“وطنُ النجوم” على عَرَبَة!

في زحمةِ السوقِ القديمِ وصخبِه و(طوشته)، مررتُ بعربةِ قهوةٍ يجرُها شابٌ عشرينيٌ يحملُ سيجارةً ومنديلاً، وأملاً. ومع كل (دفشةٍ) يتمتمُ: “يا رب”. يكادُ صمتُ تمتمتِهِ يُسكتُ ضجيجَ السوقِ. دنوتُ منهُ بخطى الواثقِ المتهور، وكنتُ حينَها في أولِ أيامي الجامعية (شايف حالي قد الدني) كزُملائي.
“واحد سادة” قلتُ مبتسمًا. استدارَ ناحيةَ الأكوابِ ثم عادَ والتفتَ إليَّ قائلاً: “ماذا تعمل” قلت: “لا أعمل، فأنا طالبٌ جامعيٌ أرسمُ مستقبلي”. استدار ثانيةً وناولني قهوتي من دونِ أن يأخذَ ثمنَها، فقلت:” ليش ما تعلمت؟” أجاب متنهدًا: “شهادتي بالخزانة”. حينها جلتُ بناظريَّ يميناً وشمالًا، ثم التزمتُ الأرضَ وعدتُ إلى مدخلِ الحرمِ الجامعيّ مُحاطًا بمئةِ سؤالٍ وسؤال، لأجد سببًا يدفعُ خريجًا لجرِّ عربةِ قهوة.

مرَّت الأيامُ والفصول، وجاءَت لحظةُ الفخر. ناداني باسمي، فصعدتُ المسرحَ متعثراً بثوبِ تخرُّجي لشدةِ الفرح. استلمتُ الشهادةَ، وحملتني نشوةُ النجاحِ إلى أعتابِ الجامعةِ اللبنانيةِ لأُكملَ دراساتي العليا، وأُتقن بذلك رسمَ مستقبلي الواعد، حتى أُحلّقَ في “وطن النجوم” كما حفظتُ في المدرسة الابتدائية.

ثم غصتُ في غمارِ لُبنانَ مُظلمٍ داكن، متسلحًا ببسمةٍ وشهادَتَينِ، وأمل. استمرَّ الغوص أكثرَ من سنيّ دراستي، ورثت خلاله سوادًا خالطَ دمي، فأرهقني. في بلدٍ تكالبت فيه بطونُ ساستِه، فأمسَت لا تشبع. صرتُ أرمي حمولتي عن كاهِلي، علِّي أغوصُ بضعَ أمتارٍ معدوداتٍ لأجدَ ما يقيتني. فرميتُ البسمةَ، ثم الشهادَتَين. وها أنا أبحث عن عربةٍ أستبدلُها بالأمل، وأجرّها حاملاً سيجارتي والمنديل، متمتمًا: “يا رب”.

مصطفى الضاحي

عن بلال مشلب

رئيس تحرير موقع السكسكية الإلكتروني

شاهد أيضاً

#سقط_قناع_السلمية

*بقلم : حسن عسيلي* سقط قناع سلمية الذي لطالما اختبأ خلفه قطاع الطرق حيث كنا …

اترك رد